حبيب الله الهاشمي الخوئي
274
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
خلق عندهما حجبا وأستارا وسرادقات ، وحشاها من أنواره الغريبة المخلوقة له ليظهر لمن يشاهدها من الملائكة وبعض النّبيّين ولمن يسمعها من غيرهم عظمة قدرته وجلال هيبته وسعة فيضه ورحمته ، ولعلّ اختلاف الأعداد باعتبار أنّ في بعض الاطلاقات اعتبرت الأنواع ، وفي بعضها الأصناف والأشخاص أو ضمّ بعضها إلى بعض في بعض التعبيرات أو اكتفى بذكر بعضها في بعض الرّوايات . وأمّا بطنها فلأنّ الحجب المانعة عن وصول الخلق إلى معرفة كنه ذاته وصفاته سبحانه أمور كثيرة : منها ما يرجع إلى نقص المخلوق وقواه ومداركه بسبب الامكان والافتقار والاحتياج والحدوث وما يتبع ذلك من جهات النّقص والعجز وهي الحجب الظلمانية . ومنها ما يرجع إلى نوريّته وتجرّده وتقدّسه ووجوب وجوده وكمال عظمته وجلاله وساير ما يتبع ذلك وهي الحجب النورانية وارتفاع تلك الحجب بنوعيه محال ، فلو ارتفعت لم يبق بغير ذات الحق شيء ، أو المراد بكشفها رفعها في الجملة بالتخلَّى عن الصفات الشهوانية والأخلاق الحيوانيّة والتخلَّق بالأخلاق الرّبانية بكثرة العبادات والرّياضات والمجاهدات وممارسة العلوم الحقّة ، فترتفع الحجب بينه وبين الله سبحانه في الجملة فيحرق ما يظهر عليهم من أنوار جلاله تعيّناتهم وإراداتهم وشهواتهم فيرون بعين اليقين كما له سبحانه ونقصهم ، وبقائه وفنائهم ، وعزّه ، وذلَّهم ، وغناه وافتقارهم ، بل يرون وجودهم المستعار في جنب وجوده الكامل عدما ، وقدرتهم الناقصة في جنب قدرته الكاملة عجزا بل يتخلَّون عن إرادتهم وعلمهم وقدرتهم فيتصرّف فيهم إرادته وقدرته وعلمه سبحانه ، فلا يشاؤن إلَّا أن يشاء الله ، ولا يريدون سوى ما أراد الله ، ويتصرّفون في الأشياء بقدرة الله ، فيحيون الموتى ويردّون الشمس ويشقّون القمر كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام : ما قلعت باب خيبر بقوّة جسمانيّة بل بقوّة ربانيّة ، والمعنى الذي يمكن فهمه ولا ينافي أصول الدّين من الفناء في الله والبقاء باللَّه هو هذا المعنى .